فخر الدين الرازي
35
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
التجلي فقول إبراهيم عليه السلام : أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير اللَّه تعالى ، لأن كل ما سوى اللَّه فهو حجاب عن اللَّه تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السماوات بالتمام ، فقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير اللَّه حصل له نور تجلى جلال اللَّه تعالى ، فكان قوله : وَكَذلِكَ منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان ، فكان الأولى / أن يقال : وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله وَكَذلِكَ نُرِي . قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون تقدير الآية ، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي . والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين الحق . فكأنه قيل : وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين ، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السماوات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه . الوجه الثاني في الجواب : وهو أعلى وأشرف مما تقدم ، وهو أنا نقول : إنه ليس المقصود من إراءة اللَّه إبراهيم ملكوت السماوات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت ، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال اللَّه تعالى وقدسه وعلوه وعظمته . ومعلوم أن مخلوقات اللَّه وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات ، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية . وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه اللَّه تعالى قال : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : سمعت إمام الحرمين يقول : معلومات اللَّه تعالى غير متناهية ، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية ، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل ، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة اللَّه تعالى وقدرته أيضا ، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك ، فكيف القول في كل ملكوت اللَّه تعالى ، فثبت أن دلالة ملك اللَّه تعالى ، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال ، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل ، فلهذا السبب واللَّه أعلم لم يقل ، وكذلك أريناه ملكوت السماوات والأرض ، بل قال : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى اللَّه له نهاية ، وأما السفر في اللَّه فإنه لا نهاية له واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : « الملكوت » هو الملك ، و « التاء » للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة . واعلم أن في تفسير هذه الإراءة قولين : الأول : أن اللَّه أراه الملكوت بالعين ، قالوا إن اللَّه تعالى شق له السماوات حتى رأي العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني ، / وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأي ما في السماوات من العجائب والبدائع ، ورأي ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما أسري بإبراهيم إلى السماء ورأي ما في السماوات وما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال اللَّه تعالى له : كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في